الذهبي

مقدمة الكتاب 46

سير أعلام النبلاء

سابعا منزلة الذهبي العلمية : لعل خير ما يصور منزلة الذهبي العلمية واتجاهاته الفكرية هو دراسة آثاره الكثيرة التي خلفها ، وتبيان قيمتها مقارنة بمثيلاتها ، ومدى اهتمام العلماء والدارسين بها في العصور التالية ، والمساهمة الفعلية التي قدمتها للحضارة الاسلامية . وسيرة الذهبي العلمية ، استنادا إلى آثاره ، ذات وجوه متعددة يستبينها الباحث الفاحص من نوعية تلك الآثار . وأول ما يلاحظ الدارس هذا العدد الضخم من الكتب التي اختصرها والتي تربي على خمسين كتابا ، معظمها من الكتب الكبيرة التي اكتسبت أهمية عظيمة عند الدارسين ، والتي تعد من بين أحسن الكتب التي وضعت في عصرها وأكثرها أصالة ، مما يدل على استيعاب الذهبي لمؤلفات السابقين ، ومعرفته بالجيد الأصيل منها ، وتمتعه بقدرة ممتازة على الانتفاء . ومما يثير الانتباه أن مختصرات الذهبي لم تكن اختصارات عادية يغلب عليها الجمود والنقل ، بل إن المطلع عليها الدارس لها بروية وإمعان يجد فيها إضافات كثيرة ، وتعليقات نفيسة ، واستدراكات بارعة ، وتصحيحات وتصويبات لمؤلف الأصل إذا شعر بوهمه أو غلطه ، ومقارنات تدل على معرفته وتبحره في فن الكتاب المختصر ، فهو اختصار مع سد نقص وتحقيق ونقد وتعليق وتدقيق ، وهو أمر لا يتأتى إلا للباحثين البارعين الذين أوتوا بسطة في العلم ومعرفة بفنونه . والذهبي حين يضيف إلى الكتاب المختصر يشعر بضرورة ذلك لسد نقص يعتري ذلك الكتاب . فحينما اختصر مثلا كتاب " أسد الغابة في